كتب مختارة تصل إليك أينما كنتادخل المتجر ←
مقالات · من كتاب «الوقوف على كتف المدينة»
ما بعد الحداثة

المثقف: الوعي بالوكالة وأوهام الناطقية

غلاف كتاب الوقوف على كتف المدينة

الذهنية النقدية هي تلك التي تعيد تدريب حاستها على استنطاق الأفكار وتجريدها من المحمولات الأيديولوجية والثقافية الرابضة تحت سطح الوعي، إذ تحمل هذه الذهنية على كتفها تفريد كل شيء ناحية جعله خاليًا من المعنى المسبق، وبذا فإن دور الذهنية النقدية تفكيك كل شيء، لا لأجل التفكيك بل لصالح بقاء عناصر كل فكرة بمعزل عن الأخرى ضمانًا لفهم أكثر رعاية وشمول لأصل الوعي وضروراته، هذا وفي حالة غياب التقدير السليم لموقع كل بنية من بنى المعرفة حتمًا تتسلل معانٍ خفية وتندرج في سيولة تمنح معها نفسها الحق في تلوين كل شيء بما يتوفر لها من أغراض، وهذا شغل السياسة لا الوعي المجرد، والنقد هنا لا يعني فعالية تمييزية وحسب، بل هو اختبار مستمر، النقد ضرورة للنقد ذاته، ولا يُفهم أن يكون النقد حالة من بلاغة فلسفية قادرة على بناء سلطتها خارج وصاية النقد ذاته.

ومن يوصفون بطلاقة هذه الملكة ليسوا في موقع أعلى من بقية المكونات الاجتماعية، وبسبب أن هذه العملية معقدة وبالغة الكشف عن مضامينها، فهي أكثر كلفة في المجتمعات التي لا تزال قواها الحية تستعذب ممالأة التيسير والخفض، واليقين بمطلق الهداية عند بناء المظاهر على وحي من الممكن والمعقول، وتفريغ شفاهتها في قوالب من مقولات وكلام، كما أن المكلفين بابتناء ذهنية كهذه يعانون من إنكار مزدوج، فهم من ناحية موصوفون بالاستهلاك النظري هروبًا من متطلبات الواقع، نعم، كونهم لا يزالون يستحفرون خطاهم بحساسية حذرة لا تريد أن تقول كل شيء دفعة واحدة، ومن ناحية أخرى هم مكلفون بالإذعان لحركة المجتمع التي لا تهدأ، وهذا يفيد أنهم واقعون بين إذعانين (السلطة والجماهير)، وهنا ينبغي ألا يمارسوا فضيلة ما يطلبه المستمعون، أو يخشاه القادرون على استخدام أدوات الدولة في مواجهة المعارضين، ولعلنا لا نعدو إذ قلنا بأن النقاد بهذه الشاكلة يمتنعون عن النشاط والفاعلية بسبب أنهم أقلية، وغير قادرين على إقامة توازن بين النظر وما يقع عليهم من تبعات ومسؤولية كونهم الأعلى طلبًا من الجماهير.

النقد ضرورة للنقد ذاته

وفي حالة غريبة تحدث كثيرًا، تظل هذه الجماهير تعتقد فيهم دمامل وجوبية الوجود كفًّا للأذى، ووجودهم ضروري كونهم صدارة يجب الاختباء خلفها مع الطَّرق باستمرار حول عجزها وقلة بضاعتها المنتجة للتغيير، ويبدو أن دور مثقف على هذه الشاكلة، أي وحيدًا في مواجهة طبقة السلطة يكفي الجماهير ويخفف من وطأتها، ويروي عطشها في صلاحية السكوت عن المظالم طالما لم يستطع الوكيل توفير البدائل، وكأن الجماهير تخضع لسيرورة خفية تريدها السلطة، فوجود ناطقين باسم المجموع يعني تقليل فرص الهجمة على السلطة، وحصر المعركة بين أفراد متشاكسين وفاقدين للقوة، وبين سلطة معبأة بأوهام التمثيل، وهنا فهي معركة غير متكافئة؛ أفراد مخذولون رغم حقهم في الكلام نيابة عن البقية، وسلطة تستمد معقوليتها من هذا الفراغ العريض المسمى «جماهير شعبنا».

ومن المسائل التي تتعلق بهذه القلة القليلة تلك الثنائية السمجة والتي تضع (المثقف) في مواجهة السلطة، وهي ثنائية أقل ما يسعنا وصفها بالغباء المهجّن، فكون المثقف مالكًا لأدواته التي سهر على تكييفها حتى تنضج مقولات وأفكارًا، فهو بهذه الوضعية مثقف عمومي وظيفته أن يجيب عن كل شيء، وفي أي وقت، وفي الحالة هذه يبدو أن الطلب عليهم في المجتمع يُقصد به تصويرهم ناطقين بالوكالة عن بقية أعضاء المجتمع، وهذه نظرة باتت من مخلفات العصر الوسيط، حين كان يكفي أن ينطلق أحدهم بعبارة «أنا أتهم» (عنوان مقالة كتبها إميل زولا حول قضية دريفوس 1898م) فيصبح على البقية النزول من الحافلة عند أول محطة دون دفع الأجرة تهربًا من كلفة السير في طريق المواجهة.

والآن فإن تعبير مثقف لم يعد حكرًا على من يملكون حق التعبير، ففي عالم اليوم الكلمة حق الجميع، وبذا فوجود طبقة المثقفين محكوم عليه بالزوال إذا استمسك المجتمع بتعريفه الكلاسيكي لجماعة هم من أصحاب الإبانة والجاذبية، وفوق ذلك مكرهون على الامتثال لحق المجتمع عليهم، يَمثُلون أمام محكمة السلطة المنعقدة دون رفع.

وبات لزامًا إعادة النظر في هذه الثنائية التي لطالما كلفتنا الكثير، إذ هي وباختصار تريد تحويل كل رصيد الجماهير من الوعي إلى «بنك» المتحدث بالكتب وأقوال الحكماء وتجارب الفلاسفة، وهذا يفسر لنا غياب طبقة من المثقفين مجتمعة على معنى واحد من فهم العالم والمجتمع، لأنهم لا يستطيعون حقًا إقامة أي نوع من الوحدة بينهم، طالما أن صلاحية وجودهم مرهونة لمسلك غير واعٍ ويفتقد للمراقبة والرصد، فالمجتمعات لا يحركها وعي ثابت بسبب غلبة نوع رديء من النقد، هو النقد المهجوس بالمخاتلة، إذ تتخلص (الجماهير) من عبئها الذي تئن من شدة تجذره في حياتها اليومية عبر الصراخ بأن كل شيء لم يعد قابلًا للتغيير، وأن السبب في ذلك من يُطلق عليهم مجازًا (الصفوة).

أما المواجهة مع السلطة فتعني أيضًا نقل المعركة؛ معركة الوعي ضد الظلم من اعتبارها حقًّا جماهيريًّا أصيلًا إلى معركة محفوظة التفاصيل (عارض - واجه - سجن... إلخ) وبقية تفاصيل الدراما الرخيصة.

في عالم اليوم الكلمة حق الجميع

والحقيقة أن معركة الآن باتت للوعي ولا تتصل بالضرورة بهكذا تمشكلات من الصراع، ففي ظل هيمنة (الميديا) بات من المستحسن أو على الأقل لرفع الحرج أن تتولى الجماهير عبر صوتها النقي التعبير عن نفسها، بل عليها التخلص من جمودها وركونها المتقن في رفع المسؤولية عن نفسها، وبيعها دون عقود لوكلاء يمارسون دورهم في التغيير بما يفتقرون إليه من معرفة صادقة بطبيعة التحولات الاجتماعية، وقد لا يدرك الكثير منا أن العالم قد تغيّر من كونه صراعًا على السلطة بين طرفين، إلى معركة إثبات الحق في صلاحية الأفكار والطروحات المستخدمة في المواجهة.

ولا يسع عالم اليوم أن يظل رهين القدرات الفردية أيًّا كانت فرادتها ليتم تشغيلها في مواجهة معائب السلطة وشهوة السياسيين، نحن اليوم أمام وجود مستقل للإنسان العابر للوكالة، إنسان بات يملك القدرة على تحقيق ذاته عبر ممارسة العنف الرمزي، وتجفيف سطوة الممسك بمقاليد الثروة والأرض عبر فضحه بالنقد وبالتفاهة أحيانًا، أما حكاية المواجهة ويا لها من عبارة مفتنة وجنسية إلى حد ما، فإن فكرة المواجهة الراهنة ما هي إلا بقايا صراع الفرسان على الفوز بقلب الأميرة، أو إرضاء شهوة الموت عند المقاتلين.

وبات لزامًا في اعتقادنا طي صفحة مفاهيم السجن والاعتقال والمجابهة بين المثقف والسلطة، وتبييض صفحات أخرى يكون فيها للوعي الفردي القادر على المجابهة لا المواجهة أن يستلم زمام التعبير عن الجماهير التي تهرب من تبعات التعبير عن نفسها، ووجب عند ذلك نقض العهد مع الوعي المسنود إلى طبقة بعينها في المجتمع، طالما المعركة معركتها، والحياة حياتها، فالأولى أن تعمل على الحد من هيمنة السلطة عليها هذا من جانب، ومن الجانب الآخر تتخلص من وهم وجود طبقة ممتازة هي المسؤولة عن لقاء السلطة في مكان قريب، ودفع تكاليف المعركة بالتقسيط.

إن الواجب في نظرنا هو إعادة بناء قاموس الطبقة في الدراسات الاجتماعية، فلم يعد ممكنًا الركون إلى تقسيمات على شاكلة (صفوة - جماهير) إلى فهم جديد يعرّف المجتمع بأنه قوة فوق أي معنى آخر، وهذا يفيد بأن نشرع في بناء علم اجتماعي جديد نوظف فيه آخر ما جرى من نتائج التحولات في الوعي، وهذا سيتيح لنا التخلص من مخلفات ظلت تهيمن علينا وتقيم وجودها على تغييب طاقات نافذة في المجتمع وتحرك ساكنه، وتدفع بالمهمة كلها إلى أقلية أثبتت وقائع التاريخ عجزها ونسبية قوتها بل واستئسادها على البقية بوهم الامتياز والناطقية، وكل ذلك بدون الذهنية النقدية لن نجد سبيلًا إليه.